أحمد بن علي القلقشندي

35

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولما كان فلان هو لهذا الأمر الجليل المسترعى ، واسمه في أوّل مدارج التّنويه والتّنويل خير مستدعى ، وفيه من جميل الأوصاف ما يرضي حسن الاقتراح وقد خبر أمور الكتبة ، وقد علم من أحوالهم ما هو أحرى لهم بالتّجربة ، وعرف خفايا المعاملات معرفة تامّة ، وأحاط بجزئيات الجهات وكلَّيّاتها إحاطة خاصّة وعامّة - اقتضى حسن الرّأي المنيف ، أن رسم بالأمر الشريف - لا برح يشدّ عضد كلّ مهتمّ من الأولياء بأخي كل عزم ، ويجعل له سلطانا لا يكل مصلحة إلى حزم ذي حزم - أن يفو - ض إليه شدّ - المهمات بالشام المحروس . فليضبط الأمور ضبطا مستوعبا ، ولينتصب لذلك انتصابا مترتّبا ، وليحترز منفّذا ومصرّفا ، ومسرعا ومستوقفا ، ومتى ظهر حقّ يتمسك به تمسّك الغريم ( 1 ) ، ولا يحاب فيه ذا بأس قويّ ولا ذا منهج إلى المنع والدّفع غير قويم ؛ وما من جهة إلا ولها شروط صوب الصّواب ، ولا يعتمد على غير الحقّ منكَّبا عن ترويج الكتاب ، ولتكن الحمول مسيّرة ، والمتخرّجات متوفّرة ، وجهات الخاصّ مقرّرة ، إذ الضّمّان لا ينتظر لهم نظرة إلى ميسرة ( 2 ) ، فإنهم سوس المعاملات ، وكواسر الجهات ، ومنهم يحفظ أو يضاع ، وبهم يترقّى أو ينحطَّ الارتفاع ، وجهات المقطعين الواجب له أن يجعل عليها واقية باقية ، ولتحم لهم حتّى لا يتطاول إلى ذروتها امتداد الأيدي المختزلة ولا خطا العدوان الرّاقية ، وليصرف وجهه بحفظه إلى مراقبة من في باب الشّدّ ( 3 ) من مقدّمين ومن رسل يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويبيعون الآجل بالعاجل ، ويخيفون العامّ والخاص ، وكل منهم يروم الغناء وهو رقّاص . هذه زبدة من الوصايا مقنعة ، وعزمات غنيّة عن تكثير في القول أو توسعة ؛ واللَّه تعالى يكون له ويعينه ، بمنه وكرمه ، إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) الغريم : الدائن . ( 2 ) من قوله تعالى : « وإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ » : سورة البقرة / 280 . ( 3 ) الشدّ : التفتيش .